أبي منصور الماتريدي
291
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أن ليس يفهم من عظمه ما يفهم من عظم الخلق ؛ إذ لا يجوز في الخلق أن يكون عظيما لطيفا ؛ ويجوز في الله ، ليعلم أن ما يفهم من هذا غير ما يفهم من الآخر . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . أي العليم بما كان ويكون ، وما ظهر وما بطن ، وما يسرّ وما يعلن ، وبكل شيء ، أو عليم بعواقب الأمور وبدايتها ، الْحَكِيمُ : حكم بعلم ، ووضع كل شيء موضعه ؛ لم يحكم بجهل ولا غفلة ولا سفه ؛ على ما يحكم الخلق ، تعالى الله - عزّ وجل - عن ذلك علوّا كبيرا . [ مسألة ] « 1 » : ثلاث آيات في سورة يوسف على المعتزلة : قوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ [ يوسف : 33 ] أخبر أنه لو لم يصرف عنه « 2 » كيدهن مال إليهن ، وهم يقولون : قد صرف عن كل أحد السوء والكيد ؛ لكن لم ينصرف عنه ذلك . وكذلك قوله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [ يوسف : 53 ] أخبر أنه إذا رحمه امتنع عن السوء والأمر به ، وهم يقولون : إنه - وإن رحم - لا يمتنع السوء ولا الأمر به . وكذلك قوله : نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ [ يوسف : 56 ] وهم يقولون : ليس له أن يصيب أحدا دون أحد من رحمته ؛ ولا أن يخص أحدا بذلك . وقوله - عزّ وجل - : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ . قال أبو بكر الأصم : ذكر مِنَ الْمُلْكِ ؛ لأنه لم يؤته كل الملك ؛ إذ كان فوقه ملك أكبر منه ، لكن لا لهذا ذكر مِنَ الْمُلْكِ ؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ملك الدنيا ؛ قال الله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] ويكون في وقت واحد ملوك . وقال مقاتل : ( من ) صلة : كأنه قال : رب قد آتيتني من الملك . لكن الوجه فيه ما ذكرنا . وقوله : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . . . إلى آخر ما ذكر ، قدم دعاءه ؛ وسؤاله ربه ما سأل ؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه ؛ ليكون ذلك [ له وسيلة ] « 3 » إلى ربه في الإجابة . وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين : أحدهما : يقولون : إن كل أحد شفيعه عمله ؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه : أني فعلت
--> ( 1 ) بياض في ب . ( 2 ) في أ : عنى . ( 3 ) في ب : وسيلة له .